
يعدّ الجنسانية (sexuality) من أبرز العناصر التي ساهمت في تشكيل أفلام الرعب عبر الزمن — ليس فقط بوصفها عامل «صدمة» أو إثارة، بل كمُحرك درامي يستكشف الرغبة، التمرد، الهوية، والإقصاء. من مصاصي الدماء إلى مظاهر التهام الجسد، يفتّح الرعب نافذة على أبعاد قد تبدو مغمورة في زوايا النفس البشرية ومجتمعاتنا.
في هذا التقرير، نستعرض أبرز 10 أفلام من نوع الرعب والتي وظّفت الجنسانية بطريقة مركزية — ليس فقط لخلق إثارة، بل لطرح تأمّلات حول القوة، الجسد، الأشباح الداخلية، والتحوّل. كل فيلم من هذه القائمة يحمل رؤية فريدة، وأسلوباً جريئاً في تناول ما كان يُعدّ «من المحرمات» أو‑على الأقل‑مقصياً من الخطاب السينمائي السائد.
1. Excision (2012)

في هذا الفيلم المثير من إخراج Richard Bates Jr.، نتابع «بولين» المراهقة المضطربة التي تعاني من علاقة معقدة مع جسدها، رغبتها، ومكانها في بيت صارم وسلطوي. عندها، تختبر الجنسانية بطريقة غير تقليدية، تجمع بين فضولٍ دموي، عمليات جراحية خيالية، ورغبة في التحرّر. الفيلم يمزج بين البودي‑هورور (body horror) والتحوّل الجنسي الداخلي: «بولين» لا تبحث فقط عن أول اتصال جنسي بل عن السيطرة، التمكين، والجسد كمساحة تمرد.
هذا الفيلم لا يناسب المشاهدين الحساسين، ولكنه مثال صارخ على كيف يمكن للرعب أن يستعمل الجنسانية للتعبير عن استلاب الذات، العائلة، والمجتمع.
2. Stoker (2013)

في تحفة المخرج الكوري Park Chan‑wook، نرى حكاية شابة صغيرة بعد وفاة والدها المفاجئة، تدخل علاقة مريبة مع عمّها الغامض. الفيلم مليء بالتوتر الجنسي، بالتمهّد الخفي للتحوّل، وبمناخٍ بصري ـ نَفسي يجمع بين الرغبة والعدوانية. لمستِ الجنسانية هنا ليست مجرد إثارة، بل استكشاف للتحكّم، التنشئة، والغدر العائلي.
3. Bones and All (2022)

في هذه التجربة من إخراج Luca Guadagnino، نغوص في قصة حب مضطربة بين شخصين مرفوضين اجتماعياً لأنهما يُمارسان أفعالاً تُعدّ «منفرّة» (التهام البشر). الجنسانية هنا تُعرض كمكافئ للتحوّل الجسدي والنفسي: رغبة في القبول، في أن تُحبّ أنت كما أنت، حتى لو كان «أنت» مختلفاً. الفيلم يفعل ما لا تفعله أفلام الرعب التقليدية: يجعل الجسد مختلفاً رمزاً لصورة الهوية والتحرّر.
4. Crimes of the Future (2022)

تحت إشراف David Cronenberg، يُقدّم هذا العمل مستقبلاً مريباً حيث تطوّر البشر فسيولوجياً وتحول الجراحات إلى عروض أدائية. الجنسانية هنا مجرّدة، متحوّلة، ومرتبطة بالجسد كمساحة لاستكشاف الألم، المتعة، والابتكار. تتحوّل العمليات الجراحية إلى نوع من الجنس الغريب — عبر الجسد والمشهد. جزء من قوة الفيلم تكمن في استعدائه لحدود الراحة، وإدخاله العلاقة بين الجسد، التكنولوجيا، والرغبة في نطاق رعب فلسفي.
5. The Witch (2015)

في هذه الدراما النفسية من Robert Eggers، الجنسانية تأتي على هيئة ترويع داخلي: عائلة بيريتانية تندفع نحو الخوف والتّهميش، والشابة «توماسين» تُصبح هدفاً لاتهامات بالرذيلة والسحر. يُعيد الفيلم رسم صورة الجسد الأنثوي كمعبَر للخوف، للتجنّب، وللقوة المحتملة، في مجتمع يربط بين الجنس والخطيئة. إنه ليس عن الجنس بحد ذاته، بل عن كيف يُنظر إلى الجنس من منظور الهيمنة، الطهارة، والخوف.
6. The Love Witch (2016)

هذا الفيلم الجامعي الجميل من Anna Biller يستحضر بصريًا الستينات، لكنه يتناول موضوعاً عصرياً: كيف تستخدم المرأة سحرها الجنسي كوسيلة للتمكين، وكيف يُعيد المجتمع تشكيل مفهوم الجاذبية. الفيلم يجمع بين الكوميديا، الغرابة، والرغبة — ما يجعله أكثر من مجرد فيلم رعب، بل تأمّل في كيفية ارتباط الجنس بالقوة، بالرغبة، وبالهوية الأنثوية.
7. The Handmaiden (2016)


من أبرز أفلام الجنسانية في الرعب، يحكي هذا الفيلم من Park Chan‑wook حكاية معقدة ومستفزة عن خداع، رغبة، وتمرد بين خادِمة ومَريِستِها في كوريا المحتلة. العلاقة بين المرأتين تصبح رفضاً وتحرّراً من نظام ذكوري وقمعي. مع ذلك، لا تخلو التجربة من الجدل:
«Some will quibble with these sex scenes… their bodies offered up for the camera’s delectation» (NewYorker)
لكن كثيرين يرونه موقفاً نمطياً جديداً للجنسانية والأنوثة في الرعب.
“The intimacy … is not ‘lurid’. … what it is for is the liberated gaze.” (Oxford Student)
هنا، الجنس ليس فقط فعلًا جسدياً، بل أيضاً طقوس تحقير/تحدٍّ/انتقام.
8. Titane (2021)


فيلمٌ صادم من Julia Ducournau يستدعي الجنسانية في نسختها الأكثر غرابة: امرأة ترتبط بعلاقة شاذة مع سيارة، وتدخل في حركة أعمق تُناقش العنف الجنسي، الدم، الجسد الطاعن. الجنسانية هنا تُعرض ليس كحب فقط، بل كتحوّل، كغزوة داخلية، كتمرد ضد حدود الجنس والهوية.
9. X (2022)

في أولى حلقات فيلم المخرج Ti West، مجموعة صانعي أفلام إباحية صغيرة تجوب منطقة ريفية لتصوير فيلمٍ للبالغين، لكن تتعرّض لمأساة … الجنسانية هنا ليست فقط فعل تصوير أو استهلاك، بل حقل للعدوان، للنظرة، للشيخوخة إلى جانب الشباب. تطرح أفكاراً مثل: ما الذي يُقدّم؟ ما الذي يُستخدم؟ وكيف للجنس أن يتحوّل إلى سلاح أو فخ.
10. The Substance (2024)

في هذا العمل الأخير، الذي يُعدّ دراسة بصرية قوية للجسد الأنثوي في عصر الصورة والتجميل، نتتبع «إليزابيث سباركل» ( Demi Moore ) التي تطلق نسخةً شابة منها عبر عقار غامض. الجنسانية هنا مقترنة بالجسد المستهلك، التلفيق، والرغبة بأن تُرى. الجنس ليس متعة فقط، بل منصة لصراع السيطرة على الذات والمجتمع.
لماذا تهمّنا هذه الأفلام؟
- لأنها تُعيد تعريف الجنس خارج نمط الإثارة المجردة، وتربطه بالهوية، السلطة، التبدّل، والتمرد.
- لأنها تستعمل الرعب ليس فقط للخوف، بل لاستفزاز الأفكار حول الجسد، التغيير، حدود الجنس، ومكانة الآخر.
- لأنها تفتح أفقاً لتمثيل LGBTQ+، للجنس خارج المألوف، وللجسد كموقع تجربة وليس فقط كموضوع.
- لأنها تُعيد للجنس – أو الجنسانية – بعدًا دراميًا وثقافيًا في سينما الرعب.
كيف تشاهدها بوعي؟
- بعض هذه الأفلام تحتوي على مشاهد عنف أو جنسانية صريحة — من الأفضل الإطلاع على تقييماتها قبل المشاهدة.
- اسأل نفسك: ما الذي يُقال عن الجنس؟ من يمتلكه؟ من يتحكم به؟
- لاحظ كيف يُصوَّر الجسد: هل هو موضوع للنظرة؟ هل هو فاعل؟ هل هو ضحية؟
- بعد المشاهدة، ناقش ما شعرت به: هل شعرت كما لو أنك النظر؟ كمراقب؟ كمشارك؟
خلاصة
إن الربط بين الرعب والجنسانية ليس مجرد خيال إضافي، بل استقبالٌ لعنصر داخلي في النفس البشرية: الرغبة، الخوف من الآخر، التحوّل الجسدي، والسيطرة/التحرر. هذه الأفلام تلتقط تلك اللحظة التي يصبح فيها الجسد، والجنس، ورعب التغيّر — رسالة بصرية مروّعة ومهمة في آنٍ واحد.
إذا كنت تبحث عن تجربة سينمائية تتجاوز القفز من الكرسي أو الظلال المفزعة، وتود الدخول إلى مناطق أعمق: المختبر النفسي للجسد والرغبة — فهذه القائمة هي بوابتك.