“صوت هند رجب”: مأساة طفلة فلسطينية تتحول إلى وثيقة سينمائية مؤثرة

صوت هند رجب

في عالم السينما، نادراً ما تظهر أعمال قادرة على الجمع بين القوة العاطفية والواقعية التاريخية بنفس شدة فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كاوثر بن هانيا. هذه الدراما الوثائقية المستوحاة من أحداث حديثة تقدم تجربة سينمائية فريدة، تضع المشاهد مباشرة في قلب مأساة لم تُروَ إلا من خلال أصوات الضحايا.


مأساة حقيقية في قلب الغزو

تعود أحداث الفيلم إلى يناير 2024، حين تلقى متطوعو الهلال الأحمر الفلسطيني مكالمة طارئة من فتاة فلسطينية صغيرة في غزة، تبلغ من العمر خمس سنوات فقط. كانت محاصرة في سيارتها مع سماع صوت إطلاق النار من حولها، وناشدت المتطوعين إنقاذها. وعلى الرغم من كل الجهود، لم ينجح الفريق في الوصول إليها في الوقت المناسب، وهو ما يتحوّل إلى محور الفيلم: الاستماع إلى اللحظات الأخيرة من حياة الطفلة بحذر وتفصيل مروع.

أصبح صوت هند، الصغير والمليء بالخوف، متداولًا على وسائل التواصل بعد وفاتها، ليصبح رمزًا لمأساة آلاف الأطفال الذين قتلوا منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، حيث تشير التقديرات إلى مقتل أكثر من 18 ألف طفل فلسطيني.


مقاربة سينمائية دقيقة ومؤثرة

تميّزت بن هانيا، المرشحة سابقاً لجائزة الأوسكار عن فيلمها “الرجل الذي باع جلده”، بقرارها عدم تجسيد هند نفسها أمام الكاميرا. بدلاً من ذلك، اعتمدت على نهج تقليدي ومكثف في آن واحد، حيث تدور أحداث الفيلم بالكامل في مكاتب الهلال الأحمر في الضفة الغربية، مع التركيز على المتطوعين الذين يحاولون تهدئة الطفلة وإيجاد طريق آمن للإسعاف وسط شبكة بيروقراطية معقدة.

استُخدم في الفيلم 70 دقيقة من تسجيلات صوتية حقيقية لهند، تضع المشاهد في حالة توتر مستمر، بين مشاهد تشبه أفلام الرعب الواقعية وأخرى تحمل طابع التشويق، مع محاولات الفريق التفاوض مع الجيش الإسرائيلي وتأمين وصول الإسعاف.


قوة السينما في نقل الحقيقة

رغم بعض الخيارات الفنية التي قد يثيرها المشاهد للجدل، مثل مزج لقطات حقيقية مع إعادة تمثيل الأحداث، إلا أن النهج العام للفيلم يرفض أي مواربة أو تلطيف للمأساة. لا مكان للهدوء أو الرقة هنا؛ إن مشاهدة الفيلم تجربة مؤلمة تتطلب استعدادًا نفسيًا.

يعمل “صوت هند رجب” كوثيقة تاريخية حية، تسلط الضوء على ما وصفته لجنة الأمم المتحدة بالإبادة الجماعية، وتروي قصة آلاف الأطفال الأبرياء الذين فقدوا حياتهم. السؤال الذي يطرحه الفيلم على كل متفرج: هند كان لها صوت، هل نحن مستعدون للاستماع إليه؟


في النهاية، يقدم الفيلم مزيجًا قويًا بين الوثائقي والدرامي، تجربة سينمائية شديدة التأثير، تجمع بين الألم الواقعي والتمثيل الموجع، لتكون شهادة على مأساة لا يمكن نسيانها، وتأكيدًا على قدرة السينما على نقل الحقيقة بأقصى قوة ممكنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top