
في زمن تميل فيه أفلام الرعب إلى الضجيج والمباشرة، يأتي فيلم Rabbit Trap ليختار طريقًا مختلفًا تمامًا: طريق الهمس، والإيحاء، وبناء القلق عبر الصوت والصورة أكثر من الأحداث. العمل، وهو أول فيلم طويل للكاتب والمخرج برين تشيني، يقدّم دراما خارقة للطبيعة تستلهم عقودًا من تقاليد الرعب الفولكلوري البريطاني، وتعيد توظيفها في تجربة حسّية بطيئة، لكنها مشبعة بالتوتر.
رحلة إلى الريف… وبدايات الاضطراب
تدور أحداث الفيلم في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حيث يسافر زوجان شابان من الموسيقيين التجريبيين إلى الريف الويلزي بحثًا عن العزلة والإلهام. دارسي (ديف باتيل)، شخصية انطوائية ومهووسة بالأصوات غير المألوفة، ترافقه شريكته دافني (روزي ماكيوين)، التي تبدو منذ البداية أكثر تماسًا مع الواقع، وإن كانت لا تقل هشاشة من الداخل.
سرعان ما ينكسر هذا التوازن الهش عندما يعثر دارسي أثناء تجواله على ما يشبه «دائرة جنّية» محاطة بالفطر، فينهار مغشيًا عليه بلا تفسير. هذه اللحظة، على بساطتها الظاهرية، تصبح الشرخ الأول في العلاقة وفي إدراك الشخصيتين لما يحيط بهما. فبعد استفاقته، يحاول دارسي العودة إلى مشروعه الموسيقي وكأن شيئًا لم يحدث، لكنه يدرك — ويدرك المشاهد معه — أن المكان لم يعد كما كان، وأن الطبيعة نفسها باتت تراقب.
رعب يُسمَع قبل أن يُرى
Rabbit Trap لا يهتم كثيرًا بالأشرار بالمعنى التقليدي، ولا يقدّم وحشًا واضح المعالم يمكن تسميته أو مواجهته. بدلًا من ذلك، يركّز على الأصوات: قطرات ماء تتساقط في كهف مظلم، صدى صوت بشري يتردد من خلف الأشجار، أو خشخشة رياح تحمل إيحاءات غير مطمئنة. هذه المقاربة تجعل من الفيلم تجربة سمعية بقدر ما هي بصرية، وهو ما يمنحه قوة خاصة.
عمل مصمم الصوت غراهام ريزنيك ومدير التصوير أندرياس يوهانيسن يبرز هنا بشكل لافت، حيث تتحول المناظر الطبيعية — التلال الوعرة، الغابات المغطاة بالطحالب، والحقول المفتوحة تحت سماء رمادية — إلى فضاءات نفسية تعكس اضطراب الشخصيات أكثر مما تعكس جمال المكان.
الطفلة… كعامل تسريع لا تفسير
يدخل عنصر الرعب الأكثر وضوحًا مع ظهور طفلة غامضة (جايد كروت)، بلا اسم ولا خلفية واضحة. وجودها لا يأتي كتفسير لما يحدث، بل كمسرّع للتوتر الكامن أصلًا بين دارسي ودافني. الفيلم لا يهتم كثيرًا بما «تعنيه» الطفلة بقدر اهتمامه بما تفعله لميزان القوى النفسي داخل العلاقة.
تشيني يرفض تقديم إجابات جاهزة، بل يراهن على شعور المشاهد. إذا وجدت نفسك تبحث عن معنى محدد أو رمزية مباشرة، فربما يفلت الفيلم من بين يديك. لكن إذا تركت نفسك لتأثير الأجواء، ستجد أن الغموض ذاته هو الهدف.
أداء هادئ يخدم الرؤية
يقدّم ديف باتيل أداءً متقشفًا، يعتمد على الانطواء الجسدي ونظرات شاردة أكثر من الحوار. أما روزي ماكيوين، فتنجح في تجسيد القلق الداخلي لشخصية دافني دون مبالغة، مستخدمة لغة الجسد وتغيّرات طفيفة في نبرة الصوت لتوصيل شعورها بالاختناق.
اللافت أن تشيني يمنح ممثليه مساحة حقيقية للتعبير، ويبدو واثقًا من أن الجسد الإنساني — طريقة الوقوف، الحركة، الصمت — قادر على إيصال ما تعجز عنه الكلمات. هذه الثقة تمنح الفيلم طابعًا عضويًا نادرًا في أعمال الرعب الحديثة.
تأثيرات عملية ولمسة كلاسيكية
من الناحية التقنية، يفضّل الفيلم التأثيرات العملية داخل الكادر بدلًا من الحلول الرقمية الصاخبة. هذا الخيار يمنح العمل إحساسًا ملموسًا، ويعيد إلى الأذهان أفلام الرعب النفسي البريطانية في السبعينيات، مثل The Shout وRobin Redbreast. حتى المشاهد الافتتاحية، مع تعليق صوتي أقرب إلى التعويذة وعرض بصري عبر جهاز أوسيلوسكوب قديم، تهيئ المشاهد لتجربة تختلف عما هو سائد.
نهاية لا تُغلق الدائرة تمامًا
قد يشعر بعض المشاهدين بأن خاتمة Rabbit Trap أكثر تحفظًا مما يوحي به تصاعد التوتر. لكنها نهاية منسجمة مع روح الفيلم، تتركك متسائلًا عمّا فاتك، وما إذا كانت هناك طبقات أخرى لم تُكتشف بعد. وهذه ربما أكبر نقاط قوة العمل: أنه يدفعك للتفكير في إعادة مشاهدته، لا بحثًا عن إجابات، بل لاختبار الإحساس مرة أخرى.
تجربة لمن يقدّر الرعب الهادئ
Rabbit Trap ليس فيلمًا للجميع. هو عمل سيجده عشّاق الرعب الفولكلوري والدراما النفسية تجربة آسرة، خاصة أولئك الذين يستمتعون بمشاهدة شخصيات غريبة الأطوار تتجول في الطبيعة، تسجّل أصواتًا غامضة، وتتعامل مع خوف لا يمكن تسميته بسهولة. أما من يبحث عن حبكة مباشرة أو ذعر فوري، فقد يجد الإيقاع بطيئًا أكثر من اللازم.
في النهاية، يثبت برين تشيني نفسه كمخرج واعد يعرف كيف يخلق مزاجًا مشحونًا دون الإفراط في الشرح أو الاستعراض. Rabbit Trap هو فيلم عن الصدمة، والطبيعة، والعلاقات الهشة — تجربة رعب تتسلل إليك بهدوء، وتبقى عالقة في الذهن أطول مما تتوقع.