مراجعة مسلسل Wonder Man: عمل مارفلي يكاد يخلو من الأبطال الخارقين… ولهذا السبب تحديدًا ينجح

Wonder Man

في زمنٍ بات فيه اسم “مارفل” كافيًا لإثارة شعورٍ مزدوج بين الحماس والإرهاق، يأتي مسلسل Wonder Man ليقلب التوقعات رأسًا على عقب. فبدلًا من الاعتماد على الانفجارات الرقمية، والمعارك الكونية، وتشابكات الأكوان المتعددة، يقدّم لنا هذا العمل تجربة مختلفة تمامًا: مسلسل هادئ، إنساني، شديد الذكاء، ويكاد يكون خاليًا من أي استعراض بطولي تقليدي. والمفارقة؟ أنه واحد من أفضل ما قدّمته مارفل تلفزيونيًا منذ سنوات.

نعم، نحن نعود مجددًا إلى عالم مارفل السينمائي، وقد يكون هذا – للوهلة الأولى – سببًا كافيًا لتنهيدة ملل. لكن Wonder Man يطلب منك شيئًا بسيطًا: أن تمنحه فرصة. وما إن تفعل، حتى تكتشف أنك أمام جوهرة صغيرة، متقشّفة في الشكل، غنية في الجوهر، ومختلفة بجرأة عن السائد.


عمل “صغير” بحسابات مارفل… وكبير بقيمته الفنية

يتكوّن المسلسل من ثماني حلقات فقط، لا تتجاوز مدة الواحدة منها نصف ساعة. في عالم مارفل، هذا قرار شبه ثوري. لا مطّ في الأحداث، لا حشو لبناء مستقبل السلسلة، ولا مشاهد مصممة فقط لتمهيد أعمال قادمة. Wonder Man يروي قصة متكاملة، واضحة الملامح، تعرف تمامًا متى تبدأ ومتى تنتهي.

الأهم من ذلك أن المسلسل يتخلّى عن “الفرجة” بوصفها غاية، ويستبدلها بالسرد، بالشخصيات، وبالأسئلة الهادئة التي تتسلل إلى ذهن المشاهد دون ضجيج. إنه عمل يثق في ذكاء جمهوره، ويغامر بتقديم شيء أقرب إلى الدراما الإنسانية منه إلى مسلسل أبطال خارقين.


سايمون ويليامز: بطل خارق لا يريد إنقاذ العالم

في قلب القصة يقف سايمون ويليامز، الذي يؤديه ببراعة لافتة يحيى عبد المتين الثاني. سايمون ليس بطلاً خارقًا بالمعنى التقليدي، ولا حتى شخصًا يدرك أنه كذلك. هو ممثل فاشل – أو هكذا يبدو – قضى عشر سنوات في لوس أنجلوس يطارد أدوارًا صغيرة، ويخرج من مواقع التصوير مطرودًا أكثر مما يخرج موقّعًا على عقود.

مشكلته ليست في الموهبة، بل في الإفراط في التفكير. يحمّل كل دور أكثر مما يحتمل، يغرق في التحليل، ويستنزف نفسه ومن حوله. ومع ذلك، ثمة حلم قديم يسكنه: شخصية “Wonder Man” التي أحبها منذ طفولته، والتي كان يشاهد أفلامها الرديئة – باعتراف المسلسل نفسه – مع والده. تلك الشخصية لم تكن بطلاً فقط، بل رابطًا عاطفيًا، وملاذًا من واقع هش.

حين تُتاح له فرصة التقدم لاختبار أداء لفيلم جديد عن Wonder Man، لا يرى سايمون الأمر كوظيفة محتملة فحسب، بل كفرصة لإعادة تعريف نفسه، ولمداواة جرح قديم لم يلتئم.


تريفور سلاتري: من نكتة مارفل إلى قلبها النابض

هنا يدخل تريفور سلاتري، الشخصية التي يعود بها بن كينغسلي إلى عالم مارفل بعد أن كانت، لسنوات، مجرّد مزحة سينمائية في Iron Man 3. لكن Wonder Man يعيد صياغة تريفور بالكامل: ممثل عجوز، مستهلك، يعيش على أمجاد الماضي، ويخفي خيبته خلف سيل من الحكايات والنصائح.

يبدأ تريفور كمرشد زائف، ممثلًا يدّعي الحكمة، لكنه مع الوقت يتحوّل إلى صديق حقيقي. العلاقة بينه وبين سايمون هي العمود الفقري للمسلسل، وهي علاقة تُكتب وتُمثّل بحساسية نادرة في أعمال مارفل. لا صراخ، لا استعراض ذكوري، بل تقارب تدريجي، صادق، ومليء بالهشاشة.

لكن تريفور ليس بريئًا تمامًا. فهو – دون علم سايمون – أداة بيد إدارة السيطرة على الأضرار (DODC)، الجهة الحكومية الغامضة التي تراقب الأفراد ذوي القدرات الخارقة، وتسعى للسيطرة عليهم باسم “حماية العامة”.


حين يصبح الامتياز لعنة

يكشف المسلسل أن إدارة السيطرة على الأضرار تتابع سايمون منذ كان في الثالثة عشرة من عمره، حين نجا بأعجوبة من حريق كان من المفترض أن يودي بحياته. نكتشف تدريجيًا أن قدراته الخارقة ليست جديدة، بل مكبوتة، ومخفية عمدًا.

في هذا العالم، وبعد كارثة تصوير سابقة – تُروى في حلقة كاملة ومؤثرة – يُمنع أي شخص يمتلك قدرات غير طبيعية من العمل في صناعة السينما. الخوف، التأمين، السمعة، والميزانيات… كلها أعذار كافية لتحويل الموهبة إلى تهديد.

هكذا يصبح “الاختلاف” عبئًا، وتتحول القوة إلى سبب للإقصاء. إنها استعارة ذكية، وغير مباشرة، عن الفن، والهوية، والأنظمة التي تدّعي الحماية بينما تمارس الإقصاء.


رسالة حب نادرة لفن التمثيل

أكثر ما يفاجئ في Wonder Man هو تركيزه العميق على التمثيل كحرفة. نشاهد سايمون وهو يسجل اختبارات أداء، يجرّب نبرات مختلفة، يعيد كتابة المشهد، ويشكك في خياراته. نسمع نقاشات عن الإيقاع، وعن الصدق، وعن الفرق بين “التمثيل” و”العيش داخل الدور”.

بن كينغسلي، بخبرته المسرحية والسينمائية الطويلة، يمنح هذه المشاهد وزنًا خاصًا. حين يتحدث، تشعر أنك لا تستمع فقط إلى شخصية، بل إلى تاريخ كامل من الفن. وفي أحد أجمل مشاهد المسلسل، يجلس سايمون وتريفور ويتبادلان إلقاء مقاطع من شكسبير وأماديوس. هنا، تتلاشى الحدود بين الممثل والشخصية، بين النص والاعتراف.

هذا ليس استعراضًا ثقافيًا، بل تذكير بقوة الفن، وبقدرته على خلق روابط إنسانية حقيقية.


الصداقة الذكورية بلا أقنعة

في عالم يعجّ بأعمال تحتفي بالقوة الجسدية والتنافس، يقدّم Wonder Man نموذجًا نادرًا لصداقة ذكورية هادئة، صادقة، وخالية من الاستعراض. العلاقة بين سايمون وتريفور لا تقوم على التفوق، بل على الاحتياج المتبادل.

يتعلم سايمون كيف “يتنفس” داخل الدور، ويتعلم تريفور – في المقابل – كيف يكون صادقًا دون قناع. إنها علاقة إنقاذ متبادل، تُبنى بالكلمات أكثر مما تُبنى بالأفعال.


قوى خارقة في الهامش… والإنسان في الصدارة

من يبحث عن معارك ضخمة أو مشاهد قتال مطوّلة سيصاب بخيبة أمل. ظهور القوى الخارقة في Wonder Man محدود، متعمّد، ومشحون بالدلالة أكثر من الاستعراض. حين تنفجر هذه القوى، لا تفعل ذلك لإبهار العين، بل للكشف عن صراع داخلي.

المسلسل يقولها بوضوح: البطولة ليست في تحطيم المدن، بل في مواجهة الذات، وفي قبول ما نحاول إخفاءه.


أداءات ترفع العمل إلى مستوى آخر

يحيى عبد المتين الثاني يقدّم واحدًا من أصدق وأدق أدواره. سايمون شخصية كان من السهل أن تصبح مزعجة أو مترددة أكثر من اللازم، لكن الأداء يمنحها إنسانية مؤلمة أحيانًا.

أما بن كينغسلي، فيبدو وكأنه استعاد شغفه. تريفور هنا ليس مهرجًا، بل رجلًا يرى ماضيه يبتعد، ويحاول أن يكون مفيدًا قبل فوات الأوان.

حتى الأدوار الثانوية، مثل زوجة سايمون المتخصصة في علم نفس الأطفال، تُستخدم بذكاء لتفكيك الشخصيات دون تحويل المسلسل إلى محاضرة علاجية.


لماذا يستحق Wonder Man المشاهدة؟

لأن هذا المسلسل يذكّرنا بسبب حبنا للقصص أصلًا. لأنه يثبت أن مارفل – حين تريد – قادرة على تقديم أعمال ناضجة، هادئة، وإنسانية. لأنه لا يخاف من الصمت، ولا يعتمد على الضجيج ليقول شيئًا مهمًا.

Wonder Man ليس مجرد تجربة مختلفة داخل عالم مارفل، بل دليل على أن هذا العالم ما زال قادرًا على التطور، إذا تجرأ على التخفف من عبء التوقعات.

باختصار: هذا مسلسل عن الفن، عن الصداقة، عن الخوف من أن تكون مختلفًا، وعن الشجاعة اللازمة لتكون نفسك. وقد يكون، من دون مبالغة، أحد أجمل ما قدمته مارفل على الشاشة الصغيرة.

مسلسل Wonder Man متاح الآن على Disney+.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top