
بعد غياب دام قرابة عامين، يعود مسلسل نتفليكس الشهير «بريدجيرتون» إلى الواجهة بموسمه الرابع، حاملاً معه تغييرات واضحة في النبرة والبناء الدرامي، ومسلّطًا الضوء هذه المرة على بينيدكت بريدجيرتون، الابن الثاني للعائلة الأرستقراطية، وأكثرهم تحررًا وغموضًا. الجزء الأول من الموسم الجديد يَعِد بالكثير، ويقدّم بالفعل عالمًا أكثر اتساعًا وتعقيدًا، لكنه في المقابل يؤجل الشرارة العاطفية التي اعتاد الجمهور أن تكون قلب الحكاية النابض.
بينيدكت في الواجهة… أخيرًا
لطالما كان بينيدكت بريدجيرتون (لوك طومسون) حاضرًا في الخلفية: فنان موهوب، روح حرة، وشخصية لا تخضع بسهولة لقواعد مجتمع الـ«تون» الصارمة. في الموسم الرابع، يصبح الرجل الأكثر طلبًا في المجتمع اللندني الراقي، رغم أنه آخر من يرغب فعلًا في الزواج. هذا التناقض هو نقطة الانطلاق الأساسية للموسم، ويمنح الشخصية عمقًا أكبر من مجرد “الأخ الوسيم الخارج عن المألوف”.
يبدأ الموسم بحركة محمومة داخل منزل بريدجيرتون، حيث تستعد الليدي فايولت (روث جيميل) لحفل تنكري ضخم، وتترقب عودة بناتها فرانسيسكا وإلويز من اسكتلندا. وبينما يبدو أن معظم الأبناء قد استقروا في مساراتهم، يبقى بينيدكت لغزًا غير محلول. وحتى حين يتولى مسؤوليات العائلة في غياب شقيقه أنتوني، لا يبدو أن فكرة الاستقرار تلوح في الأفق.
حكاية سندريلا… ولكن ببرود عاطفي
الحفل التنكري، حيث يُجبر الجميع على ارتداء الأقنعة، يمهّد للحظة المفصلية في الجزء الأول: لقاء بينيدكت بامرأة غامضة تُعرف بـ«السيدة الفضية». رقصة، نظرات، انجذاب فوري، ثم اختفاء مع دقات منتصف الليل. حبكة مستوحاة بوضوح من قصة «سندريلا»، لكن «بريدجيرتون» يحاول إضفاء لمسته الخاصة عليها.
المرأة الغامضة ليست سوى صوفي بايك (يرين ها)، خادمة تعمل لدى الليدي أرمنتا غَن (كايتي ليونغ)، امرأة قاسية مرتين أرملة، تحكم منزلها بقبضة حديدية. تعيش صوفي بين ذكرى لحظة سحرية قصيرة مع بينيدكت، وواقع مرهق يفرض عليها الخضوع والصمت. ورغم الأداء القوي لها، وخصوصًا صدقها الداخلي ورغبتها الواضحة في انتزاع قدر من السعادة في عالم لا يراها، إلا أن العلاقة الرومانسية بينها وبين بينيدكت تبدو حتى الآن باهتة على غير عادة المسلسل.
شخصيات ثانوية تخطف الأضواء
المفارقة اللافتة في الجزء الأول من الموسم الرابع هي أن أكثر اللحظات إثارة وحميمية لا تأتي من القصة المركزية، بل من العلاقات الجانبية. المسلسل، المعروف بمشاهده الجريئة بين بطليه في كل موسم، يحصر هذه المرة الشغف الجسدي في علاقة بينيلوبي وكولين، الزوجين الجديدين، مانحًا إياهما المساحة التي افتقدها بينيدكت وصوفي.
أما المفاجأة الحقيقية، فهي الخط الرومانسي غير المتوقع بين الليدي فايولت واللورد ماركوس أندرسون. العلاقة بينهما مشبعة بالتوتر والحنين والرغبة المكبوتة، لدرجة أن متابعتها وحدها تكاد تكون مادة لمسلسل مستقل. هذه الثنائية تُذكّر بأن «بريدجيرتون» في أفضل حالاته حين يكتب عن الحب المتأخر، وعن القلوب التي تعلّمت الحذر قبل العشق.
النساء… من المنافسة إلى التضامن
من أبرز محاور الموسم الرابع أيضًا تسليطه الضوء على العلاقات النسائية، لا بوصفها تنافسًا دائمًا، بل شبكة معقدة من الدعم والصراع والذاكرة المشتركة. يتجلّى ذلك في منزل الليدي غَن، وفي الصداقة العميقة الممتدة بين الملكة شارلوت والليدي دانبري، وكذلك في العلاقة المتغيرة بين إلويز وشقيقتها الصغرى هايسينث، التي تتوق بشغف لدخول سوق الزواج.
هذا التركيز يمنح العمل حساسية أكبر تجاه واقع النساء في ذلك العصر، ويخفف من سطوة الحكاية الرومانسية التقليدية التي طالما سيطرت على السرد.
النزول إلى «الطابق السفلي»
قرار صانعة العمل جيس براونيل توسيع زاوية الرؤية ليشمل خدم المنازل الأرستقراطية يُعد من أنجح إضافات الموسم. للمرة الأولى، لا يكتفي «بريدجيرتون» بمراقبة حياة النخبة من الأعلى، بل ينزل إلى المطابخ وغرف الغسيل ومساكن الخدم، كاشفًا حجم الجهد غير المرئي الذي يُبقي عالم الـ«تون» قائمًا.
هذا التوسّع السردي لا يثري العالم الدرامي فحسب، بل يمنح المسلسل نفسًا أطول يسمح له بالاستمرار لمواسم قادمة دون الوقوع في التكرار.
موسم يعمل… رغم التحفظات
الجزء الأول من الموسم الرابع يعمل دراميًا، لكنه لا يشتعل بعد. تقسيم الموسم إلى جزأين يؤثر سلبًا على الإيقاع، ويجعل العلاقة المفترض أن تكون محوره الأساسي تبدو مؤجلة ومخففة الحدة. ومع ذلك، فإن قوة الشخصيات الثانوية، والاهتمام بالعلاقات النسائية، وتوسيع العالم الاجتماعي للمسلسل، كلها عناصر تعوّض هذا الفتور المؤقت.
«بريدجيرتون» في موسمه الرابع لا يقدم أفضل قصة حب في تاريخه—حتى الآن—لكنه يثبت مرة أخرى قدرته على التجدد، وعلى إعادة تعريف نفسه كعمل يتجاوز الرومانسية البحتة إلى دراسة أوسع للطبقة، والهوية، والرغبة، والقيود الاجتماعية.
جميع حلقات الجزء الأول من الموسم الرابع من «بريدجيرتون» متاحة حاليًا للمشاهدة على نتفليكس، فيما تبقى الأنظار متجهة إلى الجزء الثاني لمعرفة ما إذا كانت قصة بينيدكت وصوفي ستجد أخيرًا النبض الذي ينتظره الجمهور.