
في عالم أفلام الرعب المعاصرة، حيث تتنافس الأعمال على الجدية الزائفة والرمزية الثقيلة، يأتي فيلم Witchboard ليقدّم نفسه بوضوح: متعة مظلمة، صاخبة، وغير مهتمة كثيرًا بأن تُؤخذ على محمل فلسفي عميق. إنه فيلم يعرف حدوده، ويتجاوزها أحيانًا بجرأة كافية تجعله — رغم عيوبه — تجربة مسلية تستحق المشاهدة، خصوصًا بفضل أداء لافت من جيمي كامبل باور، الذي يحوّل كل ظهور له إلى حدث قائم بذاته.
الفيلم هو إعادة تقديم (Remake) لفيلم رعب من ثمانينيات القرن الماضي، ويقوده المخرج تشاك راسل، أحد الأسماء المعروفة في سينما الرعب التجاري. النتيجة عمل يتأرجح بين السذاجة والمتعة، بين الفوضى والوعي الذاتي، لكنه ينجح — في لحظاته الأفضل — في احتضان طبيعته “الرديئة الجميلة” دون ادعاء.
مدخل إلى الظلام: لوحة، روح، ولعنة فرنسية
تدور أحداث الفيلم في نيو أورلينز، مدينة لا تحتاج كثيرًا من الجهد السينمائي لتبدو غامضة ومسكونة. البطلة إيميلي (ماديسون آيزمان) شابة تعيش مع شريكها كريستيان (آرون دومينغيز)، وهو طاهٍ طموح يستعد لافتتاح مطعم جديد. أثناء نزهة في الغابة بحثًا عن الفطر — في تفصيلة هيبسترية بامتياز — تعثر إيميلي على لوحة غامضة، سرعان ما يتضح أنها أداة بدائية لاستحضار الأرواح، شبيهة بلوح الويجا.
بدافع الفضول، وبتشجيع من بروك، الحبيبة السابقة المتطفلة لكريستيان، تقرر إيميلي تجربة اللوحة. ومن هنا، يبدأ الانحدار التدريجي نحو الجنون: رؤى، كوابيس، وفلاشباكات إلى حياة أخرى في فرنسا القرن السابع عشر، حيث تسكن روح ساحرة مقتولة، تبحث عن جسد جديد لتكمل من خلاله قصتها.
جيمي كامبل باور: الشرّ… حين يكون ممتعًا
في وسط هذه الفوضى السردية، يظهر جيمي كامبل باور بدور ألكسندر بابتيست، خبير تحف غامض، لا يخرج من الظلال إلا ليطلق تحذيرًا أو نبوءة مشؤومة. من اللحظة الأولى، يسيطر باور على الشاشة: نبرة صوته الأرستقراطية، نظرته الباردة، وطريقته المتعمدة في تحريك جسده، كلها عناصر تذكّر بأداءه في Stranger Things، حيث جسّد شخصية “فيكنا”.
باور لا يحاول كبح جماح الشر، بل يستمتع به علنًا. يرفع ذقنه قليلًا، يحدق من تحت حاجبيه، وكأنه يعرض الشر كاستعراض مسرحي. هذا الأداء المبالغ فيه — والذي قد يبدو فاقعًا في فيلم أكثر جدية — هو ما ينقذ Witchboard من التحول إلى عمل منسي. يمكن القول بثقة إن الفيلم ينهار تقريبًا كلما غاب باور عن الشاشة.
بين الرعب والتهريج: متعة غير متوازنة
حين لا يكون بابتيست حاضرًا، يعود الفيلم إلى مساره التقليدي: شخصيات شابة تتخذ قرارات ساذجة، مؤثرات خاصة غير متساوية الجودة، وحبكة تتقدم بدافع “يجب أن يحدث شيء الآن”. بعض المشاهد تبدو رخيصة بصريًا، وبعضها الآخر ينجح في خلق جو طقوسي مشحون، خصوصًا في الفلاشباكات المصوّرة باللغة الفرنسية، التي تضيف لمسة أصالة غير متوقعة.
من أكثر اللحظات إثارة للجدل مشهد قط شرس (من نوع ماين كون) يهاجم أحد الشخصيات، في لقطة تجمع بين المؤثرات الرقمية الرديئة والمبالغة الكرتونية. المشهد، رغم سخافته، يتحول إلى لحظة “عبادة” لمحبي الرعب التجاري، لأنه لا يحاول أن يكون ذكيًا… بل ممتعًا فقط.
نيو أورلينز… خلفية مثالية للفوضى
يستفيد الفيلم جيدًا من موقعه الجغرافي. نيو أورلينز، بتاريخها المرتبط بالفودو، الطقوس، والروحانيات، تمنح Witchboard بيئة طبيعية للرعب. كما أن مشاهد المطبخ، حيث يعمل كريستيان مع فريقه استعدادًا لافتتاح المطعم، تبدو واقعية بشكل مفاجئ، وكأن صُنّاع الفيلم شاهدوا بالفعل مواسم من مسلسل The Bear قبل التصوير.
هذه التفاصيل الصغيرة تمنح الفيلم توازنًا نسبيًا بين الخيال والواقع، حتى وإن لم يكن هذا التوازن ثابتًا.
هل هو فيلم جيد؟ سؤال خاطئ
السؤال الأدق ليس ما إذا كان Witchboard فيلمًا “جيدًا” بالمعايير النقدية الصارمة، بل ما إذا كان يعرف ما يريد أن يكونه. والإجابة هنا: نعم، إلى حد كبير.
الفيلم لا يدّعي العمق، ولا يسعى لتجديد النوع. هو فيلم رعب طقوسي، ملوّن، فوضوي، ومليء بالمبالغات، لكنه يمتلك وعيًا ذاتيًا كافيًا ليجعل مشاهدته تجربة ممتعة، خصوصًا لمحبي الرعب الكلاسيكي وأفلام الثمانينيات المعاد تدويرها بروح معاصرة.
الخلاصة
Witchboard ليس عملًا خالدًا، ولا فيلمًا سيُدرّس في كليات السينما. لكنه مثال واضح على كيف يمكن لأداء واحد قوي — جيمي كامبل باور هنا — أن يرفع عملًا كاملًا فوق مستواه الطبيعي. هو فيلم يعرف أنه مبتذل، ويتعامل مع ذلك بثقة، ويقدّم جرعة رعب مسلّية لا تخجل من نفسها.
أحيانًا، هذا كل ما نحتاجه.