مراجعة مسلسل “The Beauty”: ريان مورفي يعود إلى هوس الجسد… دموية مسلية بلا عمق حقيقي

The Beauty

لو قيل إن مسلسل The Beauty هو الخلاصة غير المتوازنة لمسيرة ريان مورفي التلفزيونية، لما بدا ذلك ادعاءً مبالغًا فيه. العمل الجديد من FX، الذي يمزج الكوميديا السوداء برعب الجسد والسخرية الاجتماعية، يبدو وكأنه مرآة تعكس كل ما أحبه مورفي على مدار أكثر من عقدين: الجسد بوصفه ساحة صراع، الجمال كسلعة، الشهرة كمرض، والصدمة كأداة سردية أولى وأخيرة.

ومع ذلك، فالمسلسل ليس وداعًا. مورفي ما زال ماكينة إنتاج لا تهدأ، ولديه عشرات المشاريع قيد التطوير. لكن The Beauty يحمل إحساس “الدائرة المكتملة”، ليس لأنه ذروة فنية، بل لأنه عمل يلخّص تناقضات صاحبه بوضوح فاضح: جريء وسريع، مثير ومبتذل، مليء بالأفكار… لكنه نادرًا ما يتوقف لمساءلتها.


افتتاحية صاخبة: جمال ينفجر

منذ الدقائق الأولى، يعلن المسلسل نواياه دون مواربة. عارضة أزياء (تؤديها بيلا حديد) تنهي عرضًا في باريس، تهاجم امرأة من أجل زجاجة ماء، تسرق دراجة نارية، وتدخل في مطاردة محمومة عبر شوارع المدينة على أنغام “Firestarter”. النهاية؟ انفجار جسدي دموي وسط ذهول الشرطة.

إنها واحدة من أكثر الافتتاحيات إثارة في مسيرة مورفي الإخراجية، وتشبه إلى حد بعيد مشهدًا من فيلم تجسسي ضخم. للحظة، يبدو أننا أمام عمل أكثر انضباطًا مما اعتدناه من صانع American Horror Story. لكن هذه اللحظة لا تدوم طويلًا.


الحبكة: إمّا جميل… أو متفجّر

الانفجار يلفت أنظار عميلين في الـFBI: مادسن (إيفان بيترز) وبينيت (ريبيكا هول)، شريكان في العمل والعلاقة العاطفية. سرعان ما يكتشفان أن الحادثة ليست معزولة، بل جزء من نمط عالمي غامض: أشخاص جميلون للغاية ينفجرون فجأة.

الخيط يقود إلى عقار ثوري يُعرف باسم The Beauty، يمنح مستخدميه شبابًا أبديًا وجمالًا خارقًا، لكنه يأتي بآثار جانبية قاتلة. خلف العقار يقف ملياردير غامض (آشتون كوتشر) لا يتردد في توظيف قاتل محترف (أنتوني راموس) لإسكات أي تهديد.

ما يزيد الطين بلّة أن العقار يمكن أن يُنقل جنسيًا، في استعارة ثقيلة الوطأة تعيد إلى الأذهان مجازات الإيدز في سينما الثمانينيات والتسعينيات، من دون أن يقرر المسلسل بوضوح ما إذا كان يعيد التفكير فيها أم يكررها فقط.


ريان مورفي… يعيد تدوير نفسه

المشكلة الأساسية في The Beauty ليست في استعاراته، بل في مألوفيتها. العمل يستدعي Nip/Tuck في هوسه بالجمال، وAmerican Horror Story في تشوّهات الجسد، وMonster في علاقته الملتبسة مع التعاطف الأخلاقي.

سينمائيًا، يمكن تلمّس ظلال ديفيد كروننبرغ (The Fly، Rabid)، وفيلم Death Becomes Her، وحتى أعمال أحدث مثل The Substance. لكن بدل أن يعيد المسلسل تفكيك هذه المراجع، يكتفي بعرضها كزينة معرفية.

المشكلة ليست في الاقتباس، بل في غياب الإضافة.


أفكار كثيرة… وموقف ضائع

يحاول المسلسل ملامسة قضايا معاصرة: هوس الشباب، ثقافة وسائل التواصل، الأدوية المعجزة، ما بعد كوفيد، الرأسمالية الدوائية. لكنه يطرحها جميعًا على عجل، من دون تعمق أو موقف واضح.

في بعض اللحظات، يبدو المسلسل وكأنه يتبنى نقدًا مبهمًا للقاحات أو للصناعات الدوائية، من دون أن يكون ذلك مقصودًا بالضرورة. هذه الضبابية الفكرية تجعل العمل مفتوحًا لتأويلات غير محسوبة، وهو أمر خطير في سياق ثقافي مشبع بالشك والهلع الصحي.


نقد الجمال… بأجساد مثالية

أكثر مفارقات The Beauty فجاجة أنه ينتقد هوس المجتمع بالجمال، بينما يملأ شاشته بوجوه وأجساد مثالية بلا استثناء تقريبًا. كل ممثل يبدو وكأنه خرج للتو من اختبار أداء في عالم ريان مورفي: جمال مصقول، عضلات بارزة، حضور لامع.

المسلسل لا يسأل نفسه أبدًا: هل يمكن نقد هذه الثقافة من داخلها؟ هل يتحمل الفن مسؤولية في صناعة هذه المعايير؟

الإجابة الضمنية: لا.

كما في Monster، اللوم دائمًا في الخارج، لا في البيت.


عندما ينجح المسلسل… صدفة

الغريب أن أفضل حلقات المسلسل ليست تلك التي تتابع خط التحقيق الدولي، بل الحلقات المستقلة التي تركز على شخصيات “عادية”.

حلقة عن تقنيَّين في مختبر (إيدي كاي توماس وريف يولاندا) تطرح أسئلة حقيقية عن الطموح والهوية. حلقة أخرى عن مراهقة غير واثقة من نفسها تكشف حزنًا صادقًا وسط الفوضى الدموية.

في المقابل، حلقة عن شاب “إنسل” تعاني من نظرة متعالية ومزعجة، رغم أداء قوي من جاكيل سبايفي، وتكشف عدم قدرة المسلسل على التعامل الأخلاقي المتزن مع شخصياته.


التمثيل: التزام بلا عمق

إيفان بيترز يبدو مستمتعًا بدور نجم الأكشن، وريبيكا هول تؤدي دورها بكفاءة، وإن كان مكتوبًا بسطحية. جيريمي بوب يسرق الأضواء بأداء إنساني يتجاوز النص، بينما يناسب آشتون كوتشر دور الملياردير السام، رغم شعور دائم بعدم الانسجام في بعض المشاهد.

أما إيزابيلا روسيلليني، فوجودها يضيف بعدًا سينمائيًا وتاريخيًا يذكّر بما كان يمكن أن يكون عليه العمل لو كان أكثر جرأة فكرية.


الرعب الجسدي: متقن ومقزز

من الناحية التقنية، المسلسل ناجح. المؤثرات الخاصة دموية، مقززة، ومصممة بعناية. الجلد يتقشر، الأسنان تُنتزع، والأجساد تنفجر بألوان غير طبيعية. لا جديد فعليًا لعشّاق النوع، لكنه كافٍ لإبهار الجمهور العام.


الخلاصة

The Beauty مسلسل مسلٍّ، صاخب، مثير للاشمئزاز أحيانًا، لكنه يفتقر إلى الجرأة الفكرية التي يتظاهر بها. هو عمل يطرح الأسئلة لكنه لا يملك الشجاعة للإجابة عنها، ويفضّل الصدمة على المحاسبة.

إنه ريان مورفي في أنقى حالاته: ممتع… لكن فارغ من الداخل.

ولا، لا يبدو أنه سيتوقف قريبًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top