فيما يبدو أنّ السينما المصرية تمضي بخطواتٍ أكثر جرأة وتجديداً، تطلّ علينا هذا الموسم عدّة أعمال تحتفي بالتحول الاجتماعي، بالتحدّي الفني، وبسردٍ يغوص في أعماق الواقع – كلّها تحمل توقيع جيل جديد من صُنّاع السينما، أو من الفنانين الجاهزين لخوض مغامرة مختلفة داخل الصندوق. نستعرض في هذا السياق أربعة أفلام تتقاطع عند تقاطعات «الجرأة» في موضوعاتها، وأشكالها، وسردها: EgyBest (إن صحّ تداول العنوان بهذا الشكل كمشروع سينمائي)، والسلّم و التّعبان لِـعِب أولاد (Snake & Ladder: Game On)، وHappy Birthday، وMy Father’s Scent. في ما يلي قراءة تحليلية مطوّلة لهذه الأعمال، وما توحي به من توجهات في «موجة جديدة» للسينما الشابة في مصر.
أولاً: لعبة التحدّي – «EgyBest» وحكاية الشباب المُتمرّد

يُروى أنّ المشروع الذي يحمل الاسم «EgyBest» مستوحى من قصة حقيقة عن مؤسّسي أحد أشهر (أو ربما «أشهر» غير المرخّصين) منصّات التحميل/البث غير القانوني في العالم العربي، وهو يحمل في طيّاته رمزية مزدوجة: من جهة، التحدّي الذي يقوده شباب (أو قد يقوده الشباب) في مواجهة الواقع المألوف، ومن جهة أخرى فإنّه يفتح مدخلاً لسؤال أخلاقيّ: كيف نتعامل مع الكيان الذي بلغ أيّماً وقد مضى في التاريخ الرقمي؟
لا توجد معلومات متوفّرة حتى الآن – على مستوى المصادر الصحافية (التي توفّرت لي) – تؤكد تفاصيل عرضه أو فريقه بالكامل؛ لكن الكيفية التي توصّف بها العمل تُشير إلى أن السينما الشابة في مصر باتت تلتفت إلى «ماشين خلف الكواليس»، إلى الممارسات التي كانت (ولا تزال) قيد الطيّ: القرصنة، التحايل، المنصّات البديلة… وهي بذلك تنقل ما كان سابقاً «موضوعاً للتلفزيون أو للصحافة» إلى فضاء الفنّ السينمائي.
من زاوية سردية، يحمل المشروع إمكانات كبيرة: فالشباب ينظر إلى تجربتهم ليس فقط باعتبارها «مخالفة» أو «خارج القانون» بل كجزء من حياتهم اليومية، كجزء من الثقافة المعاشة، أيضاً كجزء من تغيّر نموذج التوزيع والاستهلاك السينمائي ـ الرقمي. إذا نجحت السينما في استثمار ذلك بشكل فني، فسيكون لدينا نموذجاً يربط بين الواقع المعاش وشبكة التحدّيات الكبرى: قانون حقوق الملكية، تغيّر نمط التوزيع، حضور الإنترنت، والجيل الذي تربّى مع الشاشات الصغيرة قبل الكبيرة.
لكن أيضاً: ثمة مخاطرة في هذا النوع من القصص، إذ قد تغرق في «تحييد» فعلي للتجارب التي يُفترض أن تكون ذات رمز احتجاجي أو نقدي، وتُصبح – ببساطة – استذكاراً أو استعراضاً. النجاح هنا يتوقّف على كيفية بناء الشخصيات، وحجم الموضوع من الداخل (هل هو فقط حكاية «موضة» شباب أم معالجة فعلية؟) ومقدار الجرأة في عرض ما كان مُسكوتاً عنه.
في هذا الإطار، فإنّ فيلم «EgyBest» يحمل دلالة رمزية: ربما ليس مجرد فيلم تجاري، بل مؤشر على أن صناعة السينما المصرية أصبحت أكثر استعداداً لتقليب مقولات «الشرّ/التحدّي» إلى مادة سردية، وأنّ الشباب صعدوا إلى منصة الحكي.
ثانياً: الرومانسية على نطاق كبير – «السلّم و التّعبان لِـعِب أولاد»

إذا كان فيلم «EgyBest» يمثّل منحى نحو الواقع الاجتماعي والتوزيع الرقمي، فإنّ العمل الآخر الذي يُطرح كأحد «الأفلام الجريئة» هذا الموسم هو السلّم و التّعبان لِـعِب أولاد (Snake & Ladder: Game On). يُسوَّق باعتباره «أضخم إنتاج رومانسي في تاريخ السينما المصرية»، مع مقاربة عصرية للعلاقات بين الأجيال. العنوان وحده يُشِير إلى لعبة الأطفال («السلّم والتعبان») وما تتضمّنه من مفارقات: الصعود، السقوط، المفاجآت، والانخراط في ساحة لعب أكبر من السنّ.
من حيث الدلالة، هذا الانتقال إلى «رومانسية واسعة النطاق» يحمل قراءة مهمة: أن العلاقات في مصر – سواء بين شباب اليوم أو بين شباب وشابات أو الأجيال – تواجه تغيّرات كبيرة: في قيمها، في أنماطها، في قواعدها المعلَنة وغير المعلَنة. أن يُقدّم مشروع سينمائي بهذا الحجم (مصوّراً كـ«أكبر إنتاج») يعني أن السوق يرى في هذه العلاقة تجديداً يُمكن أن يجذب الجمهور، وربّما يستثمر شكلاً بصرياً وتجهيزات إنتاجية هي الأكثر فخامة منذ سنوات.
لكن التحدِّي الحقيقي في هذا النوع من الأفلام هو ألا يُحلّ الحبّ أو الرومانسية إلى مجرد مرآة براقَة لما هو متداول، بل أن يقدّم الأسئلة: كيف يتعامل الجيل الجديد مع السلطة العائلية؟ مع خريطة الطبقات الاجتماعية؟ هل الرومانسية ما زالت «أماناً» أم أنها أصبحت ساحة صراع؟ هل يمكن أن تكون علاقة – في زمن السوشال ميديا – أكثر من مجرّد مشهد مؤثر؟ إن نجح المشروع في جعل المشاهد يسأل وليس فقط «يشاهد»، عندها يكون قد أفلح.
ومن زاوية صناعية، هذا النوع من الإنتاج الضخم – في السينما المصرية – يمثل أيضاً استثماراً في الجمهور الشاب، في قدرته على استيعاب سينما ضخمة، وفي قدرته على أن تكون السينما – مرة أخرى – مكاناً للتجمّع الاجتماعي، وليس فقط للمحتوى الخفيف.
ثالثاً: «Happy Birthday» – التقاطع الاجتماعي من منظور طفولة

هنا ننتقل إلى عمل يحمل جرأة مختلفة: Happy Birthday، من تأليف وإخراج سارة جُهر في أول تجربة لها، ويتناول مسألة الطبقة الاجتماعية في مصر من زاوية طفليتين: إحدى الخادمات الصغيرة التي تعمل لمنزل ما، وأخرى من الطبقة الثرية، وتتقاطع حياتهما عند «حفلة عيد ميلاد» تُعدّها الأولى لصديقتها من العائلة الغنية. الفيلم حاز في عرضه العالمي الأول بجائزة أفضل فيلم روائي دولي، وجائزة أفضل سيناريو، وجائزة نورة إفرون في مهرجان ترِبيكا لعام 2025. (Wikipedia)
من شأن هذا العمل أن يُعدّ مثالاً واضحاً على كيف يمكن للفنّ أن يمسّ قضايا اجتماعية بوحي مباشر، دون أن يكون «عِظياً». فبدلاً من أن يُقدّم الفيلم محاضرة حول «الطبقة»، فإنه يدخل عبر براءة الطفولة، عبر شخصيتي الطفلتين، ليضع المشاهد وسط مأزق الاجتماعي: كيف يكون عيد ميلاد لمن تملك، ومن لا تملك؟ كيف ينظر الطفل إلى نفسه وإلى الآخر؟ وهذا الطرح – رغم تبسيطه ظاهرياً – لا يقلّ عمقاً: هو اقتحام لمواقع السلطة والقوة، ومن هم «داخل اللعبة» ومن هم «خارجها»، ومن هم أولئك الذين يُعدّون حفلات للآخرين.
الجرأة هنا تكمن في اختيار البطلة الصغيرة العاملة، في اختيار أن تحمل الموسيقى الخارجية للحياة (حفلة، عيد ميلاد) طبيعة أخرى من الداخل: الحزن، الرغبة، الحُلم، والمقارنة. كما أن الفوز بجوائز دولية مبكّرة يعطي للإنتاج المصري شهادة على أن هذا النوع من الصيغ – اجتماعياً ومؤثّراً – يمكن أن يُعبر إلى خارج حدود السوق المحلي.
رابعاً: «My Father’s Scent» – دراما داخلية، تفتح خزائن العائلة

وأخيراً، يصل بنا الحديث إلى My Father’s Scent (القُدْر أو «رائحة أبي» بحسب السياق)، من توقيع المخرج محمد سِيام، الذي كان معروفاً أكثر في مجال الوثائقيات. الفيلم يركّز على علاقة الابن بالأب، بين الغياب والعودة، بين النسيان والمساءلة، طوال ليلة واحدة، داخل فضاء محدود، فيما تتداعى الأسرار وتُفتَح ملفات داخلية. تم اختيار الفيلم في برنامج Final Cut في مهرجان البندقية لعام 2024، وفاز بعدّة جوائز. (CairoScene)
في قراءة سريعة لهذا العمل، يبدو أننا أمام سينما متمكّنة من الداخل: لا حبكة كبيرة، ولا مشاهد شاسعة، بل تركيز إنساني شديد، تجاه موضوع يبدو بسيطاً سطحياً (ابن يزور أباً مريضاً) لكنه يحتشد بتداعيات كبيرة: الأبوة، الغياب، الندم، التوق إلى التصالح، مجتمع الأبوة المهيمنة، الانفصال العاطفي، والحنين. في خطاب السينما المصرية التقليدية، كثيراً ما تم تقديم الأب كمثل أعلى، كمبدأ، كمركز. لكن هذا الفيلم يدخُل إلى ما خلف ذلك: ماذا يقع حين يفشل الأب في الحضور؟ حين يغيب؟ حين يتحوّل الابن من منتظر إلى متهّم أو منسحب؟
الجرأة هنا متمثّلة في الرغبة في تفكيك أنماط سائدة (الأب/الابن، الرجولة، المسؤولية) داخل فضاء محليّ ومحدود، مما يجعل التأثير أقوى. وقد اختار فريق العمل أن يكون الفيلم جزءاً من ساحة المهرجانات والانتشار الدولي أيضاً، ما يُشير إلى أنّ السينما المصرية لم تعد تكتفي بالسوق المحلي، بل بالساحة العالمية أيضاً.
لماذا هذه الأفلام تشكّل «موجة»؟
ما يجمع هذه المشاريع — رغم اختلافها في الحجم والنوعية — هو ما يمكن تسميته بـ «الجرأة المعاصرة» في السينما المصرية:
- موضوعات مفترَضة كانت شبه محجورة أو أقلّ بروزاً: القرصنة الرقمية، الطبقية الاجتماعية، العلاقة الأب/ابن في سياق اللامرئي، الرومانسية الكبرى في زمن جديد.
- أجيال حديثة من صُنّاع السينما تخرج إلى المشهد، سواء من خلال «مبتدئات» (مثل سارة جُهر) أو من خلال الانتقال من الوثائقي إلى الروائي (كما في محمد سِيام) أو من خلال توظيف واقع شبابي.
- إنتاج وتجهيز بصري أكبر أو توزيع أوسع: فالأفلام مثل «السلّم و التّعبان لِـعِب أولاد» تستثمر في ضخامة الإنتاج، في حين أن «My Father’s Scent» تستثمر في جودة القصة والبُعد المهني.
- انخراط في المهرجانات الدولية، ما يمنحها «جواز مرور» للخارج، ويحفّز السينما المصرية على أن تنظر إلى نفسها كجزء من حوار عالمي، لا فقط كجزء من السوق المحلي.
التحدّيات أمام هذه الموجة
لكن، وفي خضم هذا الحماس، هناك تحدّيات حقيقية تستحق الوقوف عندها:
- السوق المحلي: كيف ستُستقبل هذه الأفلام عند الجمهور المصري العادي؟ هل سيجذبها الموضوع؟ أم أن جمهور السينما في مصر لا يزال يستأنس بالنمط التقليدي؟
- التوازن بين الطموح التجاري والطموح الفني: ضخامة الإنتاج والاستهلاك الجماهيري لا يجب أن تأتي على حساب المشروعات الأكثر تجريباً.
- التمويل والتوزيع: كيف ستُوزّع هذه الأفلام؟ هل سينالها الانتشار المطلوب داخل مصر، في سينمات المدن الصغيرة، أو على المنصّات الرقمية؟
- المضامين الاجتماعية: أفلام مثل «Happy Birthday» أو «My Father’s Scent» تفتح أبواباً واسعة، لكن هل ستصل إلى جمهور واسع؟ وهل ستُحادث الجمهور بوضوح أم ستكون محصورةً في «نخبة مهرجانية»؟
- التجديد الطويل المدى: هل هذه الأفلام أحادية المشهد المؤقت، أم بداية لتحوّل حقيقي في صناعة السينما المصرية؟ هل سيأتي ما بعدها؟ هل ستُجدمنصّات إنتاج صغيرة ومتوسّطة تستثمر جرأة مماثلة؟
الخاتمة
إذاً، فإنّ ما نراه اليوم في السينما المصرية ليس فقط عرضاً لعدد من «أفلام جريئة»، بل ربما بداية فصل جديد: فصل تتحوّل فيه السينما من مجرد صناعة ترفيه إلى صناعة تستشرف الواقع، وتُعيد صياغته في أفق بصري جديد. من «EgyBest» التي تمثّل تناقضاً بين الشرّ والقانون، إلى «السلّم و التّعبان لِـعِب أولاد» التي تمنح الرومانسية حضيراً ضخماً، إلى «Happy Birthday» التي تفتح باب السؤال عن الطبقة عبر عيون الأطفال، إلى «My Father’s Scent» التي تقتحم خزائن العائلة بصمت. كلها – في مجملها – تشير إلى جيل مصري سينمائي جاهز للمخاطرة، ولطرح ما هو مختلف، ولخوض تجربة ليست مضمونة النجاح، لكنها بلا شكّ مطلوبة.
في النهاية، تبقى السينما شاهداً على روح زمانها، وعلى إمكاناتها. وإذا كانت مصر اليوم تستعيد تقديم «أفلاماً جريئة»، فهي تستعيد كذلك الحديث مع نفسها، تصوّب نحو الداخل قبل الخارج، وتضع السينما في موقعها كمرآة، لا فقط كمرايا. ويمكن القول: إن من يشاهد هذه الأفلام ليس فقط ليمضي وقتاً بل ليبدأ حواراً، ويعتقد أن السينما – في مصر – لم تعد مكاناً للتسليم، بل للطرح، والتحدي، وإعادة التكوين.
للمزيد من التفاصيل حول «My Father’s Scent» مثلاً يمكن الاطّلاع على موقع الإنتاج: Film Clinic (film-clinic.com)