
في زمن تحاول فيه السينما الهندية، ولو ببطء، إعادة النظر في مفاهيم الحب والرجولة والسلطة، يأتي فيلم Ek Deewane Ki Deewaniyat وكأنه رسالة من ماضٍ لم نطلب عودته. فيلم يعيش في فقاعة زمنية خاصة به، ويقدّم رؤية مشوشة للحب، حيث يتحول الهوس إلى فضيلة، والمعاناة الذكورية إلى بطولة، ورفض المرأة إلى عقبة يجب كسرها لا احترامها.
في هذه المراجعة عبر عرب سيد، نحاول تفكيك فيلم يظن نفسه قصة حب مأساوية، بينما هو في حقيقته تجربة مرهقة تُمجِّد السلوك السام وتخلط بين العشق والعدوانية في قالب موسيقي طويل ومبالغ فيه.
فيلم موجود… وهذا بحد ذاته مفاجأة
وجود فيلم بعنوان Ek Deewane Ki Deewaniyat في الوقت الحالي يُعدّ شبه معجزة، ليس لأنه جريء أو صادم فنيًا، بل لأنه يبدو وكأنه لم يسمع بكل النقاشات الثقافية والاجتماعية التي دارت في العقد الأخير حول مفهوم الرومانسية السامة.
مشاهدة الفيلم تشبه الجلوس أمام فيديو موسيقي مدته 141 دقيقة: لقطات بطيئة، دموع متساقطة، دخولات بطولية مصممة بعناية، تعبيرات وجه مشدودة، وشخصيات تتغير فجأة بلا منطق درامي. كل ذلك مغلف بادعاء عمق عاطفي لا وجود له.
لو كان هذا الفيلم شخصًا، لكان من أشد المعجبين بـ Tere Naam، ثم انتقل إلى عبادة Sanam Teri Kasam، قبل أن يقع في حب Kabir Singh، ثم يقرر فجأة أنه أصبح “واعيًا” دون أن يتخلى عن الذكورية السامة. النتيجة: فوضى فكرية خطيرة لو كانت مصنوعة بإتقان… لكن لحسن الحظ، الفيلم يفتقر حتى لهذا.
حب من طرف واحد… أم مديح للهوس؟
يُفترض أن يكون الفيلم قصة تحذيرية عن الحب من طرف واحد، لكنه يتحول سريعًا إلى نشيد طويل لمعاناة الرجل، وضحية مشاعره، و”صدق” هوسه، مقابل نساء قاسيات وعديمات الرحمة — وفق منطق الفيلم.
القصة تدور حول فيكراماديتيا بوسلي (هارشڤردهـان راني)، وريث سياسي “ذو قلب ذهبي”، يتحول بمجرد وقوعه في حب النجمة الشهيرة آدا رانداوا (سونام باجوا) إلى شخصية مهووسة، متسلطة، ومضطربة نفسيًا، بينما يصر الفيلم على تقديمه كبطل رومانسي معذّب.
منذ البداية، يخطط فيكراماديتيا للزواج وحياة أسرية كاملة دون أي موافقة من آدا. وعندما ترفضه بوضوح، لا يتراجع… بل يتصاعد. تهديدات، ابتزاز سياسي، تخريب لمسيرتها المهنية، وضغط نفسي ممنهج — وكل ذلك يُقدَّم على أنه “حب مجنون”.
الفيلم لا يرى في كلمة “لا” حدًا، بل تحديًا.
“لا” تعني “نعم”… بلغة سينمائية قديمة
أخطر ما في Ek Deewane Ki Deewaniyat هو تطبيعه الكامل مع فكرة أن الإصرار والهوس قد يتحولان في النهاية إلى حب متبادل. الفيلم يتعامل مع رفض آدا وكأنه قسوة غير مبررة، ويطالب المشاهد — ضمنيًا — بالتعاطف مع الرجل لا مع الضحية.
حتى عندما تتعرض آدا للإهانة والتهديد، يبقى تركيز الكاميرا على دموع فيكراماديتيا، وعلى ألمه، وعلى معاناته الوجودية. معاناة المرأة، في المقابل، تُختزل في نظرات ضيق ومشيات استعراضية.
الموسيقى بدل الحوار… والعاطفة بدل المنطق
بدلًا من تطوير الشخصيات أو تعميق الصراع، يعتمد الفيلم بشكل مفرط على الموسيقى. الأغاني تحل محل الحوار، والمشاعر تُفرض على المشاهد عبر الخلفية الموسيقية لا عبر الأداء أو الكتابة.
مع مرور الوقت، يتحول الفيلم إلى عرض طويل للمعاناة الذكورية مصحوبة بموسيقى حزينة، دون أي تطور حقيقي في السرد. لا توجد لقطات مبتكرة، ولا لغة بصرية خاصة، فقط إعادة تدوير لكل كليشيهات الرومانسية السامة.
مشهد منتصف الفيلم: ذروة العبث
مشهد منتصف الفيلم يستحق الوقوف عنده، لأنه يلخص أزمة العمل كاملة. بعد أن تُدفع آدا إلى حافة الانهيار، تقتحم تجمعًا سياسيًا لفيكراماديتيا، وتعلن على الهواء مباشرة أنها ستنام مع أي رجل يقتله قبل مهرجان دوسيهرا.
نعم، هذا يحدث فعلًا.
الفيلم يقدّم هذا المشهد كذروة “جنون أنثوي” و”تمرد”، بينما هو في الواقع إهانة صريحة لفكرة agency النسائية. بدل أن يمنحها مخرجًا حقيقيًا، يُجبرها السيناريو على استخدام جسدها كسلاح، وكأن لا وسيلة أخرى للرفض.
وبالطبع، فيكراماديتيا لا يفهم الرسالة، بل يغرق أكثر في دور الضحية:
“أنتِ مستعدة للنوم مع غريب، لكن ليس معي؟”
وهكذا، يعود الفيلم مرة أخرى ليطلب تعاطفنا معه.
تمجيد الألم… ومعاقبة الغضب الأنثوي
يحاول الفيلم تبرير سلوك فيكراماديتيا عبر صدمة طفولية: شعوره بأنه تسبب في وفاة والدته عند ولادته. لكن بدل معالجة هذه العقدة نفسيًا، يستخدمها الفيلم لتقديس عذابه.
عقابه الذاتي، استعداده للموت، وتضحيته المزعومة تُقدَّم كأسمى أشكال الحب. في المقابل، تُصوَّر آدا كقاسية، باردة، ومبالِغة في غضبها.
في مرحلة ما، يبدو وكأن الفيلم يستمتع بعلاقة مرضية غير معلنة بين الألم والحب، لكنه يخشى الاعتراف بذلك صراحة.
الأداءات: ممثلون محاصرون بنص سيئ
هارشڤردهـان راني يحاول تكرار نجاحه في Sanam Teri Kasam بشخصية الرجل المدمر ذاتيًا. هناك كاريزما كامنة فيه، لكنها تُهدر تمامًا هنا، لأن الشخصية نفسها تمثل كل ما هو إشكالي في فهم السينما الهندية للعشق.
سونام باجوا تُختزل إلى سلسلة من الوقفات، النظرات المستاءة، والاستعراضات البصرية. شخصية آدا، التي يُفترض أن تكون امرأة مستقلة وناجحة، تتحول إلى كيان سلبي يُعاد تشكيله عبر خوفه وكراهيته.
حتى الممثلون المخضرمون مثل ساشين خيديكار وأنانت ماهاديفان يظهرون وكأنهم في فيلم آخر أكثر جدية.
مقارنة لا تصب في مصلحة الفيلم
مشاهدة Ek Deewane Ki Deewaniyat تجعلك تُقدّر — رغم عيوبها — أفلامًا مثل Rockstar، Manmarziyaan، وHaseen Dillruba. هذه الأعمال، رغم جدليتها، حاولت على الأقل مساءلة الهوس، لا تمجيده.
أما هنا، فالفيلم يلوّح بالنقد، لكنه يقع في الفخ نفسه الذي يدّعي الهروب منه.
الخلاصة – رأي عرب سيد
Ek Deewane Ki Deewaniyat فيلم يظن نفسه قصة حب عظيمة، لكنه في الواقع كابوس سينمائي عن الهوس، الذكورية، والرومانسية المضلِّلة. عمل يفتقر إلى النضج الفكري، ويخلط بين الألم والعمق، وبين الإصرار والعشق.
في عالم موازٍ، ربما كان هذا الفيلم سيؤثر على جيل كامل بطريقة خطيرة. لكن في عالمنا هذا، أقصى تأثير له هو الصداع.
ومن منظور عرب سيد، هذا هو أفضل سيناريو ممكن.