
في عصرٍ أصبحت فيه هوليوود مهووسة بإعادة إحياء كل عنوان قديم يحمل ولو قدرًا بسيطًا من الشهرة، لم يعد غريبًا أن نرى أفلامًا تعود من التسعينات أو الألفينات بواجهات جديدة، سواء كانت ريميك مباشر، أو جزءًا متأخرًا، أو “إعادة تخيّل” تحاول بيع النوستالجيا لجيل جديد. من هذا المنطلق، قد يبدو إعلان فيلم Anaconda (2025) مجرد خطوة تجارية متوقعة. لكن ما يُحسب لشركة سوني هنا أنها لم تختَر الطريق السهل، بل قدّمت فيلمًا يحاول السخرية من فكرة الإحياء نفسها، ويضعها في قلب القصة.
فيلم Anaconda 2025 لا يعيد إنتاج فيلم 1997 بحذافيره، ولا يستدعي أبطاله، بل يقدّم حكاية ميتا عن مجموعة أصدقاء يحاولون صنع نسخة مستقلة رخيصة من Anaconda… قبل أن يجدوا أنفسهم فجأة داخل كابوس حقيقي، حيث أفعى عملاقة تطاردهم في أدغال الأمازون. الفكرة جذابة، البداية واعدة، لكن النتيجة النهائية تبقى تجربة مسلية أكثر منها تجربة لا تُنسى.
في هذه المراجعة عبر عرب سيد، نغوص في تفاصيل الفيلم، نقاط قوته وضعفه، ولماذا كان يمكن أن يكون أكثر جنونًا وذكاءً مما شاهدناه على الشاشة.
قصة عن الفشل، الحنين… والسينما داخل السينما
يتمحور الفيلم حول غريف (بول رود)، ممثل لم تسعفه الموهبة أو الحظ في تحقيق حلمه في لوس أنجلوس. بعد سنوات من المحاولات الفاشلة، يعود إلى مسقط رأسه في بافالو، نيويورك، مثقلًا بالخيبة، وبحنين جارف إلى أيام الطفولة، حين كان يصنع أفلامًا عبثية مع أصدقائه بدافع الشغف فقط.
غريف يرى أن الحل لاستعادة ذاته هو العودة إلى ذلك الحلم القديم: صناعة فيلم. ليس أي فيلم، بل إعادة تقديم Anaconda، أحد أفلامه المفضلة في صغره. وبطريقة تبدو غير منطقية لكنها تخدم الحبكة، ينجح في الحصول على حقوق العمل، ثم يقنع صديقه المقرّب دوغ (جاك بلاك) – مخرج طموح يعمل حاليًا كمصوّر حفلات زفاف – بالانضمام إلى المشروع.
تنضم إليهما شخصيتا الطفولة كيني (ستيف زان) وكلير (ثانديوي نيوتن)، وتنطلق المجموعة إلى الأمازون لتصوير فيلم رعب مستقل منخفض الميزانية. لكن ما يبدأ كمغامرة سينمائية سخيفة، يتحوّل بسرعة إلى رعب حقيقي عندما تظهر أفعى عملاقة حقيقية، لتضع الجميع في مواجهة الموت.
الفكرة في حد ذاتها ذكية وتعكس واقع السينما المعاصرة، حيث باتت الأفلام تصنع عن صناعة الأفلام، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بإعادة تدوير العناوين القديمة.
بول رود وجاك بلاك: ثنائي ينقذ الفيلم من الترهل
أكبر مكاسب الفيلم بلا منازع هو الجمع بين بول رود وجاك بلاك في بطولة مشتركة للمرة الأولى. رغم ظهورهما معًا سابقًا في مشاهد عابرة وأدوار صغيرة، إلا أن هذا العمل هو أول تعاون حقيقي بينهما، والكيمياء واضحة منذ المشهد الأول.
بول رود يؤدي دور غريف بشخصيته المعتادة: رجل لطيف، محبط، يخفي فشله خلف ابتسامة وحنين دائم. أداءه هادئ، إنساني، ويجعل الشخصية قريبة من المشاهد رغم سذاجة بعض قراراتها.
أما جاك بلاك، فيقدّم نسخة مألوفة من نفسه، لكن مع لمسة مختلفة. على عكس المتوقع، دوغ هو الطرف المتردد والعاقل، بينما غريف هو المتهور الذي يجر الجميع إلى المغامرة. هذا القلب في الأدوار منح العلاقة ديناميكية لطيفة، ومنعها من الوقوع في التكرار المعتاد.
حتى في اللحظات التي يضعف فيها السيناريو، يظل حضور رود وبلاك كافيًا للحفاظ على حد أدنى من المتعة.
كوميديا ساخرة… تبدأ قوية ثم تفقد زخمها
النصف الأول من الفيلم يحمل روحًا ساخرة واضحة، خاصة في تناوله لهوس هوليوود بإعادة الإحياء. بعض النكات كانت موفّقة فعلًا، مثل مشهد حديث دوغ مع مديره (جون بيلينغسلي)، الذي يخبره بابتسامة أن عليه أن يكون سعيدًا بحياة “B أو B+”، في جملة تختصر حالة جيل كامل من الفنانين العالقين في المنتصف.
كما أن مجرد تسمية السيناريو بـ The Anaconda كانت نكتة ذكية بحد ذاتها، لأن أي متابع للسلاسل السينمائية يعرف أن الوصول إلى “The” مرحلة حتمية في حياة أي فرنشايز.
لكن مع انتقال الأحداث إلى الأمازون، تبدأ الكوميديا في التراجع. النكات تصبح أقل كثافة، والمواقف المضحكة تعتمد أكثر على خفة ظل الممثلين بدلًا من كتابة قوية. هنا يشعر المشاهد أن الفيلم لا يعرف تمامًا ماذا يريد أن يكون: سخرية لاذعة؟ كوميديا مغامرات؟ أم رعب خفيف؟
هذا التردد كان أحد أكبر عوائق العمل.
الرعب موجود… لكنه بلا أنياب
رغم تصنيفه ككوميديا رعب، فإن عناصر الرعب في Anaconda 2025 محدودة نسبيًا. نعم، هناك بعض لحظات القفز المفاجئ الناجحة، وهناك أفعى ضخمة تتحرك بسرعة غير واقعية، كما تقتضي قواعد هذا النوع من الأفلام، إضافة إلى بعض المشاهد الدموية الخفيفة.
لكن الفيلم لا يستغل فكرته بأقصى طاقتها. مشاهدة صُنّاع فيلم رخيص وهم يجدون أنفسهم داخل رعب حقيقي كان يمكن أن يفتح الباب لمواقف سوداء أكثر جرأة وسخرية، لكن السيناريو يفضّل اللعب الآمن، ما يجعل الرعب حاضرًا دون أن يكون صادمًا أو مبتكرًا.
الميتا حاضر… لكن بحدود
المخرج والكاتب توم غورميكان، المعروف بحبه للسرد الميتا كما في The Unbearable Weight of Massive Talent، يقدّم هنا فكرة ممتعة، لكنها غير مكتملة. الفيلم يلمّح كثيرًا ولا يغوص بعمق.
واحدة من أكبر الفرص الضائعة هي ظهور طاقم إنتاج ضخم تابع لسوني داخل القصة. هذا الخط كان يمكن أن يتحوّل إلى سخرية لاذعة من الفارق بين السينما التجارية والسينما المستقلة، لكنه يُستعمل بشكل سطحي فقط.
الإخراج عمومًا تقليدي ونظيف، لكنه يفتقر أحيانًا إلى الجرأة التي تتطلبها فكرة كهذه.
الأدوار المساندة: لمعة هنا وفراغ هناك
ستيف زان يقدّم شخصيته المعتادة: غريب الأطوار، فوضوي، ومحبب، لكنه لا يحصل على مساحة كافية ليترك أثرًا حقيقيًا.
ثانديوي نيوتن تبدو متحمسة لتجربة أخف من أدوارها المعتادة، لكن شخصيتها تظل سطحية، وتُستخدم أساسًا كاهتمام عاطفي محتمل لغريف.
في المقابل، يبرز سيلتون ميلو بدور مروّض الأفاعي، حيث يسرق الأضواء بحضوره الغريب وطريقته الخاصة في وصف الأشياء بأنها “أفعوانية”. أداؤه يستحضر روح جون فويت في فيلم 1997، في تحية واضحة ومقصودة للأصل.
أغنية “Baby Got Back”… عبثية لكنها لا تُنسى
من أغرب قرارات الفيلم استخدام أغنية Baby Got Back كعنصر متكرر في القصة، رغم عدم ارتباطها بأي شيء سوى كلمة “Anaconda” الواردة في أحد أسطرها. الأغنية تظهر في الإعلانات، داخل الفيلم، وحتى في شارة النهاية.
القرار يبدو عبثيًا تمامًا، لكنه بطريقة ما ينسجم مع روح الفيلم الساخرة، وقد يكون أكثر عناصره تعلقًا في الذاكرة.
الخلاصة | رأي عرب سيد
فيلم Anaconda (2025) تجربة مسلية وخفيفة، تعتمد بشكل كبير على كاريزما نجومها وفكرتها الميتا، لكنها لا تذهب بعيدًا بما يكفي لتكون عملًا جريئًا أو لاذعًا كما كان يمكن لها أن تكون.
إن كنت من محبي بول رود وجاك بلاك، أو تبحث عن فيلم بسيط لتمضية الوقت، فستجد هنا ما يرضيك. أما إن كنت تتوقع سخرية أعمق من ثقافة الريميكات، أو دمجًا أكثر جنونًا بين الرعب والكوميديا، فقد تشعر أن الفيلم اكتفى بملامسة الفكرة دون الغوص فيها.
التقييم عبر عرب سيد:
🎬 ممتع، خفيف، لكن بلا سم حقيقي.