
خلال العقود القليلة الماضية، أثبتت أفلام السرقة (Heist Movies) أنها من أكثر الأنواع السينمائية مرونة واتساعًا. فهي قادرة على التحول بسلاسة بين الواقعي والخيالي، بين السياسي والترفيهي، وبين الدراما الإنسانية الخالصة وأقصى درجات الاستعراض البصري. بعض هذه الأفلام يستند إلى جرائم حقيقية ويعيد تفكيكها بعيون نقدية، بينما يختار بعضها الآخر تجاهل المنطق تمامًا، مفضّلًا المتعة الخالصة، أو يدمج السطو مع أنواع أخرى مثل الكوميديا، الحركة، أو حتى الخيال العلمي.
يكفي أن ننظر إلى كيفية تسلل فكرة “السرقة” إلى أكبر السلاسل السينمائية في العصر الحديث. سلسلة Fast & Furious استعادت بريقها مع “Fast Five” الذي بُني بالكامل تقريبًا على منطق فيلم سرقة. عالم مارفل قدّم نسخته الخاصة عبر ثلاثية Ant-Man. حتى عوالم بعيدة مثل Star Wars لم تكن بمنأى عن ذلك، سواء في فيلم Solo أو في بعض حلقات The Mandalorian.
ومع ذلك، وعلى الرغم من أن المال غالبًا ما يكون الغنيمة الظاهرة، فإن أفضل أفلام السرقة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تكتفي بالإثارة والتخطيط المحكم. بل باتت تضع شخصياتها أمام رهانات نفسية وعاطفية أعمق: الرغبة في الهروب من ماضٍ ثقيل، أو البحث عن خلاص شخصي، أو حتى محاولة إثبات الذات في عالم قاسٍ. في ما يلي، نستعرض أعظم 14 فيلم سرقة في القرن الحادي والعشرين، لا لأنها الأذكى فقط، بل لأنها الأكثر إنسانية أيضًا.
1. Ocean’s Eleven (2001)
ليس من المبالغة القول إن Ocean’s Eleven واحد من أكثر الأفلام قابلية لإعادة المشاهدة في تاريخ السينما الحديثة، وهو في الوقت نفسه أحد أنجح عمليات “إعادة الإنتاج” (Remake) في هوليوود. نسخة الستينيات الأصلية اعتمدت بشكل شبه كامل على كاريزما نجومها، بينما جاء ستيفن سودربيرغ ليعيد صياغة الفكرة كليًا بأسلوب أنيق، ذكي، ومليء بالحيوية.
جورج كلوني يتألق بدور داني أوشن، اللص المحترف الذي لا يستطيع مقاومة إغراء سرقة ثلاث كازينوهات في لاس فيغاس دفعة واحدة. لكن العملية ليست مادية فقط؛ فإحدى تلك الكازينوهات يملكها رجل على علاقة بطليقته. هذا البعد العاطفي يضفي توترًا إضافيًا على عملية مصممة بدقة ساعة سويسرية، ويمنح الفريق — من براد بيت إلى مات ديمون — مساحة حقيقية للتألق.
2. Widows (2018)
في Widows، يقلب ستيف ماكوين قواعد فيلم السرقة رأسًا على عقب. الفيلم ليس مجرد قصة عملية إجرامية، بل تشريح حاد لتقاطعات العرق، النوع الاجتماعي، الفساد السياسي، والفقر. فيولا ديفيس تقدم أداءً قويًا بدور امرأة تجد نفسها مجبرة على إكمال سرقة فاشلة تركها زوجها الراحل.
بسيناريو من جيليان فلين (Gone Girl)، ينجح الفيلم في الجمع بين التشويق والعمق الاجتماعي، ويحوّل عملية السرقة إلى فعل مقاومة ضد منظومة كاملة من الاستغلال.
3. Baby Driver (2017)
إدغار رايت يأخذ فيلم السرقة إلى إيقاع جديد تمامًا. Baby Driver ليس فقط فيلم مطاردات مذهل، بل تجربة موسيقية متكاملة، حيث تتحرك السيارات على إيقاع الأغاني، وتنبض المشاهد وفق نبض بطلها.
أنسل إلغورت يجسد سائق هروب شاب يعاني من طنين دائم في الأذن، ولا يستطيع التركيز إلا عبر الموسيقى. لكن حين يقع في الحب، يبدأ حلم الخلاص. الفيلم ممتع، سريع، ومفاجئ في صدقه العاطفي.
4. Killing Them Softly (2012)
أندرو دومينيك يقدم فيلم سرقة كئيبًا، بطيئًا، لكنه بالغ الذكاء. الأحداث تدور في ظل الأزمة المالية العالمية، حيث تتحول سرقة لعبة قمار غير شرعية إلى استعارة لانهيار اقتصاد بأكمله.
براد بيت وجيمس غاندولفيني يقدمان شخصيات منهكة، تائهة، وكأن الجريمة هنا لم تعد مغامرة، بل وظيفة قذرة في عالم بلا رحمة.
5. The Town (2010)
بن أفليك يثبت هنا أنه مخرج لا يقل موهبة عن كونه ممثلًا. The Town فيلم سرقة كلاسيكي بروح معاصرة، تدور أحداثه في أحياء بوسطن، ويستمد قوته من صدقه العاطفي.
أفليك يؤدي دور لص بنوك يبدأ في التشكيك بحياته بعد ارتباطه بامرأة كانت إحدى ضحايا عملياته. الفيلم مشحون بالتوتر، وجرمياته مصورة بواقعية تذكّر بأعمال مايكل مان.
6. The Place Beyond the Pines (2012)
فيلم يتجاوز مفهوم السرقة التقليدي ليتأمل أثر الجريمة عبر الأجيال. ديريك سيانفرانس يقدم عملًا حزينًا، إنسانيًا، يتتبع مسار لص دراجات نارية وشرطي شريف، وكيف تتقاطع حياتهما وتنعكس على أبنائهما.
إنه فيلم عن الإرث، والذنب، والاختيارات التي لا يمكن التراجع عنها.
7. Drive (2011)
نيكولاس ويندينغ ريفن يصنع فيلمًا أشبه بحلم نيون دموي. Drive يحكي قصة سائق هروب صامت، يعيش على الهامش، ويجد نفسه ممزقًا بين العنف والحب.
السطو هنا ليس الهدف، بل الخلفية التي تكشف نفسية رجل يحاول التمسك بآخر خيط إنساني في داخله.
8. Hell or High Water (2016)
تايلور شيريدان يكتب فيلمًا عن سرقة البنوك، لكنه في الحقيقة يكتب عن أمريكا المنسية. شقيقان يسطوان على بنوك صغيرة لإنقاذ أرض العائلة من مصير قاسٍ فرضته المؤسسات المالية.
الفيلم ذكي، مؤلم، ومشحون بروح الغرب الأمريكي الحديث.
9. American Animals (2018)
فيلم فريد يمزج بين الدراما والوثائقي. قصة حقيقية عن طلاب جامعيين يسرقون كتبًا نادرة، لكن الفيلم يهتم أكثر بما بعد السرقة: الندم، الخوف، وتفكك الوهم.
إنه فيلم عن الملل، وعن الرغبة في الشعور بأن للحياة معنى.
10. Logan Lucky (2017)
عودة ستيفن سودربيرغ إلى فيلم السرقة، لكن هذه المرة بنكهة جنوبية ساخرة. Logan Lucky فيلم عن الطبقة العاملة، عن أناس عاديين يحاولون خداع نظام أكبر منهم.
تشايننغ تيتوم ودانيال كريغ يقدمان أداءات مرحة في فيلم ذكي ومتعاطف.
11. Inception (2010)
رغم تعقيده العلمي، فإن Inception في جوهره فيلم سرقة خالص. كريستوفر نولان يحوّل العقل البشري إلى خزنة، والحلم إلى مسرح للجريمة.
ليوناردو دي كابريو يقود فريقًا لا لسرقة فكرة، بل لزرعها، في واحدة من أكثر الأفلام طموحًا في تاريخ السينما.
12. Sexy Beast (2000)
فيلم بريطاني أنيق، مظلم، ومزعج بقدر ما هو آسر. بن كينغسلي يقدّم أحد أعظم الأشرار في القرن الجديد، في دور رجل عصابات لا يعرف الهدوء.
الفيلم يبرع في خلق توتر نفسي يجعل من عملية السرقة كابوسًا أكثر منها مغامرة.
13. Dragged Across Concrete (2018)
فيلم بطيء، ثقيل، لكنه ثري بالحوار والتأمل. يطرح أسئلة مزعجة عن الفساد، العنف، وتبرير الجريمة باسم الحاجة.
ليس فيلمًا سهلًا، لكنه واحد من أكثر أفلام السرقة جرأة.
14. The Score (2001)
لقاء نادر بين روبرت دي نيرو، إدوارد نورتون، ومارلون براندو في واحد من آخر أدواره. The Score فيلم سرقة تقليدي في شكله، لكنه مشوق في تنفيذه، ويخفي منعطفًا ذكيًا في نهايته.
إنه وداع كلاسيكي لزمن كان فيه فيلم السرقة يعتمد على الحيلة أكثر من الانفجار.
خلاصة
ما يميز أفلام السرقة في القرن الحادي والعشرين ليس فقط تطور التقنيات أو تعقيد الخطط، بل انتقالها من التركيز على “كيف نسرق؟” إلى سؤال أعمق: “لماذا نسرق أصلًا؟”. في هذه الأفلام، تصبح الجريمة وسيلة لفهم الإنسان، لا مجرد لعبة أموال، وهو ما يجعلها خالدة، مهما تغيّرت الأزمنة.