
تستمر الدراما التركية في خطف أنظار المشاهدين العرب في 2026، ومن بين أبرز الأعمال التي أثارت الجدل والإعجاب هذا العام، مسلسل “A.B.I.” أو “إرث محطم”، الذي يعرض على قناة ATV، ويجمع بين التشويق النفسي والعلاقات العائلية المعقدة في قالب درامي متقن.
يركز المسلسل على شخصية دوغان هانجي أوغلو، الجراح الوسيم والناجح الذي يعيش في إزمير، والذي اختار الابتعاد عن أسرته منذ شبابه بعد حادثة صادمة مع والده طاهر هانجي أوغلو. هذه الحادثة لم تُبعده عن والده فحسب، بل أبعدته عن جذوره وعن طفولته، ليختفي في عالم الجراحة، يكرس حياته لإنقاذ الأرواح، ويقطع كل صلاته بالعائلة ما عدا أخته الصغرى ملاك.
تتغير حياة دوغان حين تطلب منه أخته جولوسان العودة إلى إسطنبول لحضور زفافها. رحلة العودة هذه ليست مجرد رحلة مكانية، بل رحلة إلى الماضي المظلم والمليء بالأسرار التي حاولت العائلة دفنها. في هذه العودة، يظهر بهرام، عدو العائلة القديم، الرجل الغارق في الحب والألم تجاه ماهينور، والذي يتربص بالهانجي أوغلو من الظل، منتظرًا اللحظة المناسبة للانتقام أو مواجهة الماضي.
بينما تتكشف الأسرار، يلتقي دوغان بـ جاغلا، المحامية الشابة التي تقدمت للعمل في شركة العائلة. جاغلا، التي عاشت تحت ظل مأساة شقيقتها ماهينور، تتمتع بالقوة والعزم وحس العدالة، وتنسج الأحداث بين شخصيتيها ودوغان علاقة متشابكة تجمع بين الألم والمصير المشترك. هذه العلاقة تصبح محورًا عاطفيًا وسط تصاعد التوترات العائلية، حيث الماضي المؤلم والحاضر المليء بالخيانات يخلق مزيجًا متفجرًا من الدراما والتشويق.
تأخذ الأحداث منعطفًا حادًا ليلة الزفاف عندما يقع محاولة اغتيال، لتبدأ الأسرار القديمة بالظهور ويصبح السؤال المركزي: من يمكن الوثوق به؟. يتقاطع مسار دوغان وجاغلا مجددًا، بينما تظهر أسماء جديدة من العائلة بين قائمة المشتبه بهم، مما يضعه أمام مفترق طرق صعب: هل يترك الماضي مرة أخرى ويعود إلى حياته القديمة، أم يواجه الحقيقة ويكشف أسرار أسرته؟
ما يميز مسلسل “A.B.I.” ليس فقط الحبكة المعقدة، بل أيضًا الطريقة التي يقدم بها الصراعات النفسية والدرامية للشخصيات. فدوغان، الجراح البارد والمنعزل، يجد نفسه مجبرًا على مواجهة جذور ألمه، بينما تجسد جاغلا القوة الداخلية للشخصية النسائية التي لا تهزم بسهولة، وكل مشهد يبرز التوتر بين الواجب العائلي والمصالح الشخصية.
الإنتاج الفني للمسلسل، من موقع التصوير في إسطنبول وإزمير إلى الإضاءة والموسيقى التصويرية، يعكس جودة عالية توازي الإنتاجات التركية الكبرى. المشاهد التي تصور التوتر العائلي، مثل مشاهد الاجتماعات العائلية أو المواجهات الحادة، تحمل إحساسًا بالواقع والدراما الحقيقية، ما يجعل المشاهد يشعر وكأنه جزء من الصراع نفسه.
أما من ناحية الأداء، فقد أبدع الممثلون في نقل التعقيدات النفسية للشخصيات. كل شخصية تحمل ثقل ماضيها، وكل مواجهة تحمل طبقات من المشاعر المكبوتة والغضب المستتر والحب المفقود. هذه الدقة في الأداء تجعل من “A.B.I.” أكثر من مجرد مسلسل عائلي؛ إنه رحلة عاطفية ونفسية معقدة، تتخللها لحظات من التشويق والمفاجآت.
في النهاية، يقدم “A.B.I. (A Broken Inheritance)” تجربة مشاهدة تجمع بين الإثارة والتشويق والتحليل النفسي العميق للشخصيات، مع التركيز على قيمة الأسرة، وطبيعة الأسرار التي يمكن أن تحطم روابطها، والخيارات الصعبة التي يفرضها الماضي على الحاضر. وهو مثال حي على الدراما التركية الحديثة التي لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تفتح أبواب النفس البشرية لتكشف عن الصراعات الداخلية والخارجية في آن واحد.
“A.B.I.” ليس مجرد مسلسل عادي، بل عمل درامي يثبت أن الأسرار العائلية والخيانات القديمة يمكن أن تكون محركًا قويًا للقصة، وأن المواجهة مع الماضي هي الطريق الوحيد للشفاء والمصالحة، سواء مع الذات أو مع العائلة.